الإيمان العقلي أم القلبي؟

بقلم فراج الفضلي



عندما نتأمل في المعارف الحاصلة عند الإنسان نجدها تنقسم إلى قسمين؛ القسم الأول المعارف العلمية، وهي المعارف التي لا يصح الاعتقاد والإيمان بصحتها أو خطئها إلا إذا قام دليل علمي على صحتها أو خطئها، مع الالتفات إلى أن طبيعة الدليل تختلف باختلاف المجال الذي تنتمي إليه المعرفة، فالرياضيات مثلًا تعتمد الدليل العقلي والفيزياء تعتمد الدليل التجريبي وكلاهما دليلان علميان. ومن خصوصيات المعرفة العلمية أنها معرفة موضوعية (= Objective knowledge) أي أن المعرفة لا تتأثر بشخص الباحث، فـ ٢+٢ = ٤ والأرض تدور حول الشمس وبغداد عاصمة العراق سواء أكان الشخص الذي يريد أن يفحص هذه المعارف زيد أم خالد

والقسم الثاني المعارف غير العلمية، وهي المعارف التي لا يتوقف الاعتقاد بها على قيام دليلٍ عليها بل على تأثر النفس بها، كما لو استمعت لقصيدتين وفضلت إحداهما على الأخرى لأنها أثرت فيك بشكل أكبر، أو حبك لأمك أكثر من أبيك 

ومن خصوصيات هذا النوع من المعارف أنها معارف شخصية (= subjective knowledge) أي أن المعرفة تتأثر بشخص الباحث، فنفس هاتين القصيدتين لو استمع إليهما غيرُك لفضل الثانية على الأولى، وغيرُك قد يحب أباه أكثر من أمه.
وينبغي التنبيه على أمرٍ مهم؛ وهو أن كل معرفة موضوعية لا يمكن أن تكون بنفس الوقت معرفة شخصية، وكذلك العكس

عندما نأتي للدين ونحلل ما يطرحه من معارف بدقة نجد أنه يطرحها كمعارف علمية، أي أن الدين يهتم بالإتيان بالأدلة العلمية التي تدل على صحة ما يأتي به وخطإ ما يخالفه، ولا يكتفي بطرح نفسه كمعرفة مؤثرة أثرت فيك فقبلتها وربما لا تؤثر في غيرك فلا يقبلها ولا تثريب عليكما

فمن يمعن النظر في آيات القرآن الكريم يرى هذا الأمر بوضوح، فمثلًا القرآن يطرح مناقشة علمية بين إبراهيم -ع- ومن عبد الشمس والقمر والكواكب، ويحاجج اليهود والنصارى وعبدة الأصنام في عدم ألوهية ما ادعوا ألوهيته، ويستدل على التوحيد، وعلى نبوة محمد بن عبدالله -ص-، وعلى إعجاز القرآن الكريم، والبعث والمعاد في الآخرة، والآيات في هذا السياق كثيرة

وسيرة النبي وأهل بيته -ع- تدل على ذلك أيضًا، فالنبي -ص- قضى شطرًا من عمره في مناقشة قومه والاستدلال على نبوته، وحاجج نصارى نجران في المسجد، وناظر اليهود في المدينة، والسيدة الزهراء -ع- خطبت دفاعًا عن أحقية الإمام علي -ع-، وهو أيضًا صنع ما صنعت، وخطبه مليئة بالحجاج مع مخالفيه، وناظر الإمامان الباقر والصادق -ع- الزنادقة، وحاجج الإمام الرضا -ع- أصحاب الأديان الأخرى

والمتأمل في سيرة الأنبياء والأئمة -ع- وأصحابهم يرى منهم اهتمامًا شديدًا بهذا الأمر، حتى أن بعض العلماء صنف
حتى أن بعض العلماء صنف كتابًا كبيرًا جمع فيه المناظرات التي جرت بين الرسول وأهل بيته -ع- وبين مخالفيهم وأسماه بكتاب الاحتجاج

وإذا أردنا أن نعبر عن هذه الفكرة بعبارةٍ دقيقةٍ نقول: عندما نحلل طبيعة القضايا التي يطرحها الدين نجدها قضايا إخبارية موضوعية غير بدهية، وخصوصية هذا النوع من القضايا عدم جواز ترجيح أحد طرفيه بلا مرجح، ولا مرجح لها إلا الدليل، فلا يمكن الاعتقاد والإيمان بصحتها أو خطئها إلا إذا قام دليل على صحتها أو خطئها.
لكن الأمر الغريب -والملفت- في طبيعة المعارف الدينية أنها تؤثر في النفس أيضًا فتُنشئ فيها ما تُنشؤه المعارف من القسم الثاني من أثر! وهذه الخصوصية في المعرفة الدينية لم أرها في أي نوع من أنواع المعارف العلمية المتنوعة، ولعل سبب ذلك خصوصية مباحثها

فعلى سبيل المثال فإن العلم بوجود الله أو العلم بنبوة محمد -ص- معارف علمية لا تتحقق إلا بقيام الدليل العلمي عليها، لكن الحالة الإيمانية التي تنتجها هذه المعرفة في نفس المعتقد بها تعجز الكلمات عن وصفها والتعبير عنها

لكن ينبغي الالتفات إلى أمرٍ مهم، وهو أن خصوصية هذا الأثر النفسي والإيمان القلبي أنه إيمان قلبي بمسألةٍ علميةٍ ناتج عن دليلٍ علمي، أما الإيمان القلبي بمسألةٍ علميةٍ من دون أن يستند لدليلٍ علميٍ فلا قيمة موضوعية له لأنا قلنا أنه معرفةٌ شخصية، فالمتنسّك في جبال الهند المرتاض فيها يحمل في قلبه من هذه الحالة أضعاف ما يحمله البعض لكننا نقول أن إيمانه هذا لا قيمة له لأنه إيمان بمسألةٍ علميةٍ لم يستند لدليلٍ علمي

أما ما يُتداول من أن المعرفة العلمية التي تستند على الدليل مضطربة لا تكاد تثبت فلا سبيل لنا إلا الاعتماد على الإيمان القلبي، فهذا الكلام لو سلمنا به للزم أن نوقف بحثنا في سائر العلوم، فمفاهيم الرياضيات الحديثة صعبة جدًا إلى درجة أنها أدت لأن يفقد عالم الرياضيات جورج كانتور عقله ويعيش آخر أيام حياته في مصحةٍ عقلية، فلو أردنا أن نلتزم بهذا الكلام للزم أن نوقف البحث فيها ونكتفي بالإيمان القلبي بالرياضيات القديمة! ويا للعجب من الفيزياء الكمية وغرابتها ولو أردنا أيضًا أن نلتزم بهذا الكلام للزم أن نوقف البحث فيها هي الأخرى ونكتفي بالإيمان القلبي بفيزياء نيوتن! بربك أي سخفٍ هذا

وهذان المفهومان -الإيمان العلمي والإيمان القلبي- لا توجد ملازمة بين وجود أحدهما وعدم وجود الآخر، فلا يلزم من تحقق الإيمان العلمي عدم حصول الإيمان القلبي ولا العكس أيضًا، فتصوير المسألة بهذا الشكل مغالطة منطقية

ومن يقول أن الإيمان القلبي بالدين كافٍ للاعتقاد بصحة الدين ويرفض الإيمان العلمي ماذا يقول إن جاءه شخص وقال له: سأوافق على فكرتك التي تطرحها، ولكن إيماني القلبي قادني لأكون نصرانيًا؟ إن ناقشه نقاشًا علميًا في خطإ الإيمان بالنصرانية وصحة الإيمان بالإسلام فلن يكون الإيمان القلبي كافيًا للاعتقاد بصحة الدين، وإن لم يناقشه لم تنضبط القاعدة التي تصحح الاعتقاد بدينٍ معينٍ وسيتبع كل شخصٍ إيمانه القلبي -أنّى قاده- وسيكون معذورًا ولا يجوز أن نحكم بخطئه!
وأيضًا يجب على من يقول بهذا الرأي أن يبين أن المعارف الدينية معارف شخصية وليست موضوعية حتى يصح كلامه، ولا يصح له القول بأن إيمانه القلبي قاده لذلك، حتى لا يصادر على من يخالفه فيصير الإيمان القلبي دليله على صحة الإيمان القلبي.

:فملخص الكلام في النقاط التالية
١- تنقسم معارف الإنسان إلى معارف علمية ومعارف غير علمية.
٢- المبرر الوحيد للاعتقاد بالمعارف العلمية قيام الدليل العلمي على صحتها.
٣- صعوبة الوصول لأدلة المعارف العلمية لا يبرر لنا أن نترك البحث فيها.
٤- حقيقة المعارف الدينية أنها معارف علمية.
٥- خصوصية المعارف الدينية أن لها أثرًا على نفس المعتقد، يمكن تسميته بالإيمان القلبي.
٦- الإيمان القلبي بالمسائل العلمية ما لم يستند لدليلٍ علميٍ فلا قيمة موضوعية له

ختامًا نحن لا نريد أن ننكر عظيم الأثر الروحي الذي يؤثر به الدين على الإنسان، بل على العكس من ذلك تمامًا، إذ إننا نرى أن هذا الأثر نتاج طبيعي من نتاجات الإيمان العقلي بالدين، وأن هذا الأثر إن لم يستند للإيمان العقلي لن ينضبط بحدودٍ معينة، لأنه سيكون تفاعلًا شخصيًا يزداد بزيادة أسباب التفاعل وينقص بنقصانها، وأسباب التفاعل غير منضبطة، أما لو استند لقيمةٍ موضوعيةٍ فسيدور الأثر في النفس وجودًا وعدمًا مدارها

أتصور أن منشأ سوء الفهم راجع للأثر النفسي للمعارف الدينية على الشخص، فإذا تنبهنا إلى تحليل المعرفة الإنسانية إلى معارف علمية وغيرها واندراج المعرفة الدينية في المعارف العلمية والخصوصية التي اختصت بها زال اللبس إن شاء الله

والحمد كل الحمد لله، والصلاة صفو الصلاة على محمد بن عبدالله، وآله ومن والاه

 

Comments

Popular posts from this blog

شبهة لعن الإمام لزرارة في الروايات

ما معنى أن الله خلق الأشياء بالمشيئة؟

ما هو التفويض الباطل؟